عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
159
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
التقليل أيضا مضر جدا ، فإنه يؤدي إلى ضعف يمنعه عن مزاولة الأعمال ووظائف العبادات ، والذكر القوي ، وإن القليل إذا كان مقرونا بنية الصوم ، كان أحسن فإن الصوم قد اختص من اللّه سبحانه وتعالى بفضيلة امتاز بها عن سائر أركان الإسلام والعبادات . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : حكاية عن اللّه تعالى : « الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك » « 1 » . الشرط الرابع : دوام السكوت عن غير الذكر . فلا يتكلم البتة إلا مع الشيخ ويقتصر فيما يكلمه على حكاية الوقائع التي يريد حلها وأحوال قلبه في البسط والقبض وما ابتلى في الخلوة وما فتح عليه من المواهب ، قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » « 2 » . الشرط الخامس : دوام الذكر فإن من شرائط الخلوة المداومة على الذكر المعين بحيث لا يفتر عنه البتة ولا يتركه إلا عند غلبة النوم وفي أثناء الصلاة وفي المبرز فإنه يكره ثمة ذكر اللسان ، فيذكر اللّه بقلبه ولا يذكر على غفلة من حقيقة الذكر ، فإن الذكر المعتبر هو الذي يوافق فيه القلب اللسان ولا يذكر أيضا كيف اتفق بل بقوة ويظهر أثره في جميع الأعضاء . لأن ذلك أقوى على نفي الخواطر وتحصيل الجمعية ويخفي الصوت فيه ، ويجب الألحان ويبالغ في التعظيم وإنه إذا واظب على الذكر اللساني مدة على حضور تام وتعظيم وافر ، يؤدي الذكر اللساني إلى الذكر القلبي ، فيطمئن القلب بالذكر . قال اللّه تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرّعد : 28 ] ويغتذى به ويستأنس باللّه ويذكره ويستوحش عن الخلق كلهم وعن مخالطتهم المانعة عن الخلوة . وإذا تمكن في الذكر القلبي وعرف الشيخ ذلك منه أمره بترك الذكر اللساني وشغله بمجرد التوجه إلى اللّه والحضور ومراقبة الحق أو القلب إلى أن
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الصيام ، باب فضل الصيام ، حديث رقم ( 164 - 1151 ) ولفظه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف » قال اللّه عز وجل إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند اللّه من ريح المسك » ورواه غير مسلم . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب الحث على إكرام الجار . . . ، حديث رقم ( 74 - 47 ) ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب الأدب ، باب من كان يؤمن باللّه . . . ، حديث رقم ( 6018 ) ورواه غيرهما .